المِدراس دراسةُ القرآن كلمةً كلمة
المِدراس

بيانُ المِدراس ومنهجُ السَّير

السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه · الحمدُ لله، اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وعلى آلِ محمّد

البيان

﴿وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾

الحج 78

فالاسمُ اسمٌ سمّانا اللهُ به، والأبُ إبراهيم. فلا نَزيدُ على ما سمّانا اللهُ اسمًا، ولا نُفرِّقُ ما جمَعَه: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ — آل عمران 103

وأمّا الخبرُ فنَجمَعُه حيثُ كان، ثمّ نَزِنُه: ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ — الزمر 18. والميزانُ واحدٌ لا ثانيَ له: ﴿فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ — النساء 59.

ما هذه القناة

ندرُسُ ههنا كتابَ اللهِ كلمةً كلمة، ونتدارَسُه بينَنا بإذنِ الله؛ يجيءُ كلُّ دارسٍ بما وصلَ إليه: بحُجّةٍ وسؤالٍ وتدبُّرٍ ومُدارَسة. فليس ههنا درسٌ يُلقى، بل مِدراسٌ يُتدارَسُ فيه.

ما الدِّراسة

قال رسولُ الله عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْىُ الثوبِ، حتّى لا يُدرى ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسُكٌ ولا صدقة». (ابن ماجه)

وقال عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يتلونَ كتابَ اللهِ ويتدارَسونَه بينهم، إلاّ نزلَت عليهم السكينةُ وغَشِيَتْهم الرحمةُ وحَفَّتْهم الملائكةُ وذكرَهم اللهُ فيمَن عندَه». (مسلم)

والدِّراسةُ كثرةُ الذهابِ والإيابِ على الشيء. يقولُ ابنُ منظورٍ في مادّةِ «درس»: «دَرَسَ الشيءُ والرَّسْمُ يَدْرُسُ دُرُوساً: عَفَا»، ثمّ «دَرَسْتُ الثوبَ أَدْرُسُه دَرْساً، فَهُوَ مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ، أَي أَخْلَقْته». فالأثرُ يَدْرُسُ لكثرةِ ما يُوطَأُ عليه، والثوبُ يَدْرُسُ لكثرةِ ما يُلبَس.

فالدراسةُ مرورٌ بطيءٌ دقيقٌ على الكتابِ آيةً آيةً وكلمةً كلمة، حتّى تستخرِجَ عِلمَه وتُحيطَ به. ولا يكفي فيها النظرُ العَجِلُ ولا السؤالُ الواحد، بل هو المرورُ والمُكْثُ والعَوْدُ على ما مررتَ به.

﴿كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾

آل عمران 79

وما أمرَ اللهُ نبيَّه عليه وعلى آلِه صلواتُ الله أن يستزيدَه من شيءٍ إلاّ من العِلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ فاجعَلْها فاتحةَ كلِّ مجلسٍ من مجالسِ دراستِك.

والقرآنُ حَمّالٌ ذو وجوه

قال عليٌّ عليه وعلى آلِه صلواتُ الله، لابنِ عبّاسٍ حينَ بعثَه إلى الخوارج: «لا تُخاصِمْهم بالقرآنِ، فإنّ القرآنَ حَمّالٌ ذو وجوهٍ، تقولُ ويقولون، ولكنْ حاجِجْهم بالسُّنّة». فما تنتهي إليه وَجْهٌ، لا الوَجْه؛ والحقُّ أوسعُ من أن يُحاطَ به في مجلس.

وانظُرْ ذلك في الكلمةِ نفسِها. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ﴾ — الأنعام 105

قرأَها حفصٌ عن عاصمٍ «دَرَسْتَ»، وقرأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو «دارَسْتَ»، وقرأَ ابنُ عامرٍ ويعقوبُ «دَرَسَتْ». فوجهٌ يقول: «تعلَّمْتَ»، ووجهٌ يقول: «ذاكَرْتَهم»، ووجهٌ يقول: هذه أخبارٌ قد «عَفَتْ وامَّحَتْ». رسمٌ واحدٌ وثلاثةُ وجوه فلا تُضيِّقْ ما وسَّعَه الله.

لِسَانُ القرآن

لا نقولُ «لغةَ القرآن»، وإنّما نقولُ لِسَانَ القرآن؛ فبذلك سمّاه اللهُ: ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾ — النحل 103، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ — الشعراء 195. فاللسانُ للبيان: ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ — إبراهيم 4.

وأمّا «اللغة» فمن اللَّغْو؛ يقولُ ابنُ منظورٍ في مادّةِ «لغو»: «اللَّغْوُ واللَّغا: السَّقَطُ وما لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيرِه ولا يُحصَلُ منه على فائدةٍ ولا نَفْعٍ»، وفيها عن الأزهريّ: «واللُّغَةُ من الأسماءِ الناقصةِ، وأصلُها لُغْوَةٌ من لَغا إذا تكلَّم».

واللَّغْوُ ما نزَّهَ اللهُ عنه دارَه: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةً﴾ — الغاشية 11. وهو يقعُ في أحسنِ الكلامِ إذا وقعَ في غيرِ موضِعِه؛ قال رسولُ الله عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «إذا قلتَ لصاحبِك يومَ الجمعةِ: أنصِتْ، والإمامُ يخطُبُ، فقد لَغَوْتَ». (البخاري ومسلم، واللفظُ للبخاري) أمرَه بالإنصاتِ عن اللَّغْوِ، فكان أمرُه لَغْوًا.

فشتّانَ ما بينَهما: اللسانُ حسَنٌ كلُّه مُبين، واللغةُ مُخالَطةٌ فيها الصالحُ والطالحُ وأكثرُها لَغْو.

وحسبُك أنّ لفظَ «اللغة» ليس في القرآنِ البتّة، وأنّ «اللسان» جاءَ فيه في 25 موضِعًا؛ حتّى اختلافَ ألسنةِ الناسِ سمّاه اللهُ ألسنةً: ﴿وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ﴾ — الروم 22. فإذا رأيتَ في المِدراس «لسانَ العرب» فذلك وجهُه.

كيف تجري المُدارَسة

ندرُسُ في كلِّ مُدارَسةٍ كلمةً واحدةً من كتابِ الله، على الترتيبِ الذي تجدُه في «الطريق». يجيئُكم بها منشورانِ متلازمانِ يُنشَرانِ معًا، ثمّ تكتُبونَ مُدارَساتِكم تحتَهما؛ فإذا استوفَيْنا الكلمةَ انتقَلْنا إلى التي بعدَها.

1 · مُدارَسةُ الكلمة

منشورُ الكلمةِ المدروسةِ وحدَها. كلُّ ما فيه مشدودٌ إليها وإلى ما يحُفُّها من عِلم: مواضعُها وإحصاؤُها، وقراءاتُها وأسبابُ نزولِها، وحديثُها ومادّتُها في لسانِ العرب. ولا يُخرَجُ فيه عن الكلمةِ إلى غيرِها.

2 · مَجلِسُ المِدراس

وما لا يَسَعُه منشورُ الكلمةِ فمَوضِعُه ههنا: ذِكرٌ وتذكير، وحديثٌ ومسألة، واقتراحٌ وسؤال، ورؤيا رآها أحدُكم.

قال رسولُ الله عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «لم يبقَ من النبوّةِ إلاّ المبشّرات». قالوا: وما المبشّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة». (البخاري) وقال عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «إذا اقتربَ الزمانُ لم تكَدْ رؤيا المؤمنِ تكذِب». (الترمذي)

ويُلحَقُ بمنشورِ الكلمةِ ما وجَدْنا من دروسِ الإمامِ صلاحِ الدينِ أبي عرفةَ أيّدَه اللهُ بنصرِه ممّا يتّصلُ بالكلمةِ المدروسة، صوتيًّا. ومعه منشوراتٌ إحصائيّةٌ ومُرغِّبةٌ في الدراسة.

أدبُ المِدراس

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

المؤمنون 3

وقال رسولُ الله عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه». (البخاري ومسلم)

فلا لَغْوَ ههنا ولا إساءة؛ ومَن وقعَ في ذلك أُنذِرَ ثلاثًا، ثمّ مُنِعَ من المِدراس. وليكُنْ ما تكتُبُه بحُجّةٍ وسؤالٍ وتدبُّرٍ وذِكرٍ للهِ سبحانَه وتعالى. والحُجّةُ ههنا ما قالَ اللهُ وما قالَ رسولُه عليه وعلى آلِه صلواتُ الله — لا أقوالُ المفسِّرين.

الغاية

أن يكونَ المِدراسُ صدقةً جاريةً لجميعِ المسلمين. قال رسولُ الله عليه وعلى آلِه صلواتُ الله: «إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلاّ من ثلاثة: إلاّ من صدقةٍ جارية، أو عِلمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». (مسلم) وأن نرجِعَ بهذه الأمّةِ إلى ما كان عليه الأمرُ الأوّل.

الطريق

أوّلُ ما ندرُسُ أهمُّ درس: لِمَ خلقَنا الله. ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ — الذاريات 56. ويأتيكم صوتيًّا من دروسِ الإمامِ صلاحِ الدين.

ثمّ نبدأُ بالفاتحة: كلمةُ «الفاتحة» وجذرُ «فتح»، ثمّ ﴿بِسْمِ﴾ و«الاسم»، ثمّ «الله»، ثمّ «الرحمن»، ثمّ «الرحيم»، ثمّ «الحمد» — حتّى نُتِمَّ السورة.

ثمّ البقرة: ﴿الٓمٓ﴾، ثمّ ﴿ذَٰلِكَ﴾، وهكذا؛ ومعها دروسُ الإمامِ صلاحِ الدينِ في سورةِ البقرة.

فإذا جاءَ رمضانُ أو العيدُ أو الحجُّ أو عاشوراء، جاءَت الدروسُ في ذلك، واقترَحْنا كلماتٍ تُدرَسُ فيه، لينتفِعَ المسلمون.

نصيحة

ابدأْ بدراسةِ الحروفِ في «الدليل» داخلَ المِدراس؛ فإنّها تُعينُك كثيرًا حينَ تدرُسُ القرآنَ كلمةً كلمة.